ما هو اضطراب ما بعد الصدمة ؟!" />

ما هو اضطراب ما بعد الصدمة ؟!

سلام من الله عليكم، تخيل معي ان تتعرض فتاة بريئة في مقتبل عمرها لعملية اغتصاب من قِبل شخص عديم المسؤولية و عديم الضمير، و تخيل مدى المعاناة لدى تلك الفتاة البريئة.

 ما رأيك؟ هل تكره تلك الفتاة كل الرجال أم لا بعد ذلك الحادث؟! بالطبع ستقول نعم تكرهَهم و لربما تريد أذيتهم كما تأذيت هي، و لكن هل هذا الشعور سليم أو عقلاني؟ أم انه فقط بسبب تأثرها بالصدمة و الحادث؟

ستجيب انه ربما يكون رد فعل طبيعي بعد الحادث مباشرة  و لكن مع مرور الوقت و تبيين الاختلافات بين الرجال للفتاة ستتعلم ان الناس مختلفون فيما بينهم في الصفات و أصابع اليد ليسوا بنفس الطول، و ستبدأ في تقبل الفكرة و نسيان ما حدث في الماضي، و تستكمل حياتها بصورة طبيعية مرة أخرى.

فما حدث لتلك الفتاة بعد الاغتصاب هو ما نسميه ب اضطراب ما بعد الصدمة -وهي عملية الاغتصاب في مثالنا هنا- و الذي ينتج عنه بعض المشاعر و الأفكار الخاطئة، و تبيين الاختلافات و محاولة جعل الفتاة تنسى الألم هو ما نسميه إعادة التأهيل بعد الصدمة.

 و هذا هو محور مقالنا اليوم، فما هو اضطراب ما بعد الصدمة و كيف يتم التعامل معه؟

من الطبيعي أن تشعر بالخوف أثناء و بعد الحدث الصادم، حيث يثير الخوف العديد من التغييرات الجسدية في جزء من الثانية  للمساعدة في الدفاع عن الخطر أو لتجنبه، فمثلا استجابة “القتال أو الهروب” هي رد فعل نموذجي يهدِف إلى حماية الشخص من الأذى -و يحدث عندما يتعرض الانسان للخطر فيتفاعل الجسد و يفرز بعض الهرمونات التي تقويه و تساعده على القتال أو على الأقل الهروب سالمًا-.

  سنشعر جميعنا تقريبًا مجموعة من ردود الفعل بعد الصدمة، و مع ذلك فإن معظمنا يتعافون من الأعراض الأولية بشكل طبيعي، ولا يعد هذا اضطراب بل ردة فعل طبيعي من الانسان.

و لكن يمكن تشخيص أولئك الذين لا يزالون يعانون من مشاكل مع اضطراب ما بعد الصدمة، حيث قد يشعر هؤلاء الأشخاص المصابون باضطراب ما بعد الصدمة بالضغط أو الخوف، حتى عندما لا يكونون في خطر.

ما هو اضطراب ما بعد الصدمة؟

هو اضطراب في الصحة النفسية يبدأ بعد حدث صادم، قد يتضمن هذا الحدث تهديدًا حقيقيًا أو متوقعًا للإصابة أو الموت، و يمكن أن يشمل ما يلي:

  • كارثة طبيعية مثل الزلزال أو الإعصار.
  • القتال أو الحروب.
  • اعتداء أو إيذاء جسدي أو جنسي.
  • حادث سيارة أو طائرة أو غيره.

يشعر الأشخاص المصابون باضطراب ما بعد الصدمة بإحساس متزايد بالخطر، و يتم تغيير الاستجابة الطبيعية لما نسميه “القتال أو الهروب”، مما يجعلهم يشعرون بالتوتر أو الخوف، حتى عندما يكونوا بأمان، و كان اضطراب ما بعد الصدمة يُسمى قديما ب “صدمة القشرة” أو “إرهاق المعركة” لأنه غالبًا ما يؤثر على المحاربين القدامى، و فقًا للمركز الوطني لمكافحة اضطراب ما بعد الصدمة، يُقدر أن حوالي 15 بالمائة من قدامى المحاربين في حرب فيتنام و 12 بالمائة من قدامى المحاربين في حرب الخليج يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة و يؤثر ذلك على حياتهم بشكل ملحوظ.

و لكن يمكن أن يحدث اضطراب ما بعد الصدمة أيضًا لأي شخص في أي عمر، كمثالنا في البداية لتلك الفتاة البريئة، حيث يحدث كاستجابة للتغيرات الكيميائية و العصبية في المخ بعد التعرض لأحداث تهديد، و لكن دعني أقول لك إن وجود اضطراب ما بعد الصدمة لا يعني أنك مَعيب أو ضَعيف فهذا رد فعل طبيعي لأحداث غير طبيعية.

ما هي أعراض أو علامات اضطراب ما بعد الصدمة؟

في حين أن معظم المصابين بالصدمة _وليس جميعهم_ يعانون من أعراض قصيرة المدى، إلا أن الغالبية منهم لا يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة المستمر (أو المزمن).

ليس مشرط ان كل شخص مصاب باضطراب ما بعد الصدمة يمر بحدث خطير، بعض التجارب البسيطة مثل الوفاة المفاجئة و غير المتوقعة لأحد الأحباء أو الرسوب في امتحانات على غير توقع، يمكن أن تسبب أيضًا اضطراب ما بعد الصدمة.

 تبدأ الأعراض عادة في وقت مبكر، في غضون ثلاثة أشهر من الحادث المؤلم، و لكن في بعض الأحيان تبدأ بعد سنوات.

 يجب أن تستمر الأعراض أكثر من شهر و أن تكون شديدة بما يكفي للتدخل في العلاقات أو العمل حتى يتم اعتبارها اضطراب ما بعد الصدمة، حيث ان مسار المرض يختلف حيث يتعافى بعض الأشخاص في غضون ستة أشهر، بينما يعاني البعض الآخر من أعراض تدوم لفترة أطول.

و في بعض الأشخاص تصبح الحالة مزمنة، يمكن للطبيب الذي لديه خبرة في مساعدة الأشخاص المصابين بأمراض نفسية -مثل الطبيب نفسي أو الاخصائي النفسي- تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة من خلال أعراضها التي سنعرضها فيما يلي.

 لتشخيص الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، يجب أن يعاني الشخص البالغ على كل ما يلي لمدة شهر واحد على الأقل -تحمل معي صعوبة تلك الألفاظ سأوضحها لك في غضون ثوان-:

  • واحد على الأقل من أعراض إعادة التجربة.
  • واحد على الأقل من أعراض التجنب.
  • اثنتان على الأقل من أعراض الإثارة و التفاعل.
  • اثنان على الأقل من أعراض الإدراك و المزاج.

و الآن أوضح لك دلالة تلك الألفاظ و أعراض كل منها:

تشمل أعراض إعادة التجربة ما يلي:

  • التذكر أو حتى عدم نسيان الحادث بتفاصيله.
  • استعادة الصدمة مرارًا و تكرارًا، بما في ذلك الأعراض الجسدية مثل تسارع ضربات القلب أو التعرق.
  • أحلام سيئة و مخيفة تتعلق بالحادث أو لا.
  • أفكار مخيفة.

قد تسبب إعادة تجربة الأعراض مشاكل في روتين الشخص اليومي، يمكن أن تبدأ الأعراض من أفكار و مشاعر الشخص، يمكن أن تؤدي الكلمات أو الأشياء أو المواقف التي تُذكِّر بالحدث أيضًا إلى إعادة تجربة الأعراض.

تشمل أعراض التجنب ما يلي:

  • الابتعاد عن الأماكن أو الأحداث أو الأشياء التي تذكّر بالتجربة المؤلمة.
  • تجنب الأفكار أو المشاعر المتعلقة بالحدث الصادم.

الأشياء التي تذكر الشخص بالحدث الصادم يمكن أن تؤدي إلى أعراض التجنب، و قد تتسبب هذه الأعراض في تغيير الشخص لروتينه الشخصي على سبيل المثال، بعد حادث سيارة سيئ  قد يتجنب الشخص الذي يقود عادة القيادة أو ركوب السيارة من الأساس.

تشمل أعراض الإثارة والتفاعل ما يلي:

  • الفزع.
  • الشعور بالتوتر الزائد.
  • صعوبة في النوم في التوقيتات المعتادة.
  • الغضب بشدة.

عادة ما تكون أعراض الإثارة ثابتة و مستقرة، الا اذا اثارتها أشياء تُذكّر الشخص بالأحداث المؤلمة المتعلقة بالحادث، حيث يمكن لهذه الأعراض أن تجعل الشخص يشعر بالضغط و الغضب، حتى انه قد يصعُب عليهم أداء المهام اليومية، مثل النوم أو الأكل أو التركيز.

تشمل أعراض الإدراك والمزاج ما يلي:

  • أفكار سلبية عن الذات أو العالم.
  • مشاعر مشوهة مثل الذنب أو اللوم.
  • فقدان الاهتمام بالأنشطة الممتعة.

يمكن أن تبدأ أعراض الإدراك والحالة المزاجية أو تتفاقم بعد وقوع الحدث المؤلم، و لكن ليس بسبب الإصابة أو تعاطي المخدرات، يمكن لهذه الأعراض أن تجعل الشخص يشعر بالغربة أو الانفصال عن الأصدقاء أو أفراد الأسرة.

ما هي عوامل الخطر التي تساعد على ظهور الاعراض؟

يمكن لأي شخص أن يصاب باضطراب ما بعد الصدمة في أي عمر،  و هذا يشمل قدامى المحاربين و الأطفال و الأشخاص الذين تعرضوا لاعتداء جسدي أو جنسي أو سوء معاملة أو حادث أو كارثة أو أحداث خطيرة أخرى، وفقًا للمركز الوطني لمكافحة اضطراب ما بعد الصدمة، فإن حوالي 7 أو 8 من بين كل 100 شخص سيعانون من اضطراب ما بعد الصدمة في مرحلة ما من حياتهم.

و كمعظم الاضطرابات النفسية فان النساء أكثر عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة من الرجال، و قد تجعل الجينات بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة من الآخرين.

ليس حتمي ان يمر كل شخص مصاب باضطراب ما بعد الصدمة بحدث خطير من وجهة نظرك على الاقل، فقد يُصاب بعض الأشخاص باضطراب ما بعد الصدمة بعد تعرض صديق أو فرد من العائلة لخطر أو ضرر، بل يمكن أن تؤدي الوفاة المفاجئة وغير المتوقعة لأحد الأحباء إلى الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة.

لماذا يصاب بعض الأشخاص باضطراب ما بعد الصدمة والبعض الآخر لا يعانون من ذلك؟

من المهم أن نتذكر أنه ليس كل من يعيش من خلال حدث خطير يُصاب باضطراب ما بعد الصدمة، في الواقع، لن يُصاب معظم الناس بهذا الاضطراب، حيث تلعب العديد من العوامل دورًا فيما إذا كان الشخص سيُصاب باضطراب ما بعد الصدمة أم لا، و عوامل الخطر تجعل الشخص أكثر عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة.

 هناك عوامل أخرى، تُسمى بعوامل المرونة، يمكن أن تساعد في تقليل خطر الإصابة بالاضطراب.

و تشمل بعض العوامل التي تزيد من خطر الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة ما يلي:

  • أن يمر خلال حياته بالأحداث و الصدمات الخطرة.
  • ان يتعرض لحادث مؤلم و يعاني من اعراض اضطراب ما بعد الصدمة من قبل.
  • رؤية شخص آخر قريب منه مصاب أو رؤية جثة.
  • صدمة الطفولة.
  • الشعور بالرعب أو العجز أو الخوف الشديد.
  • وجود دعم اجتماعي قليل أو معدوم بعد الحدث.
  • التعامل مع الضغط الزائد بعد الحدث، مثل فقدان أحد أفراد أسرته، أو الألم و الإصابة، أو فقدان الوظيفة أو المنزل.
  • وجود تاريخ من المرض النفسي أو تعاطي المخدرات.

تشمل بعض العوامل التي قد تعزز التعافي بعد الصدمة ما يلي:

  • طلب الدعم من أشخاص آخرين، مثل الأصدقاء والعائلة.
  • العثور على مجموعة دعم بعد حدث صادم.
  • تعلم الشعور بالرضا عن أفعال المرء في مواجهة الخطر.
  • امتلاك استراتيجية مواكبة إيجابية، أو طريقة للتغلب على الأحداث السيئة و التعلم منها.
  • القدرة على التصرف و الاستجابة بفعالية بالرغم من الشعور بالخوف.

يدرس الباحثون أهمية هذه العوامل و عوامل الخطر و المرونة الأخرى، بما في ذلك علم الوراثة و بيولوجيا الأعصاب، مع مزيد من البحث، فقد قد يكون من الممكن في يوم من الأيام التنبؤ بمَن مِن المحتمل أن يصاب باضطراب ما بعد الصدمة و من هو شبه محصن.

كيف يتعامل الطبيب النفسي مع الأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة؟

العلاجات الرئيسية التي يهتم بها الدكتور النفسي للأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة هي الأدوية أو العلاج النفسي (العلاج “بالتحدث”) أو كليهما، يختلف كل شخص عن الآخر، و يؤثر اضطراب ما بعد الصدمة على الأشخاص بشكل مختلف، لذا فإن العلاج المناسب لشخص ما قد لا يعمل مع شخص آخر.

 من المهم لأي شخص يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة أن يتم علاجه من قبل مقدم خدمات الصحة النفسية من ذوي الخبرة مع اضطراب ما بعد الصدمة، فقد يحتاج بعض الأشخاص المصابين باضطراب ما بعد الصدمة إلى تجربة علاجات مختلفة للعثور على أفضل ما يناسب أعراضهم.

أولا: الأدوية

أكثر أنواع الأدوية التي تم دراستها لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة هي مضادات الاكتئاب، والتي قد تساعد في السيطرة على أعراض الاضطراب بشكل كبير و فعّال، مثل الحزن أو القلق أو الغضب، و فقد نحتاج لإضافة بعض الأدوية الأخرى التي تساعد في علاج أعراض اضطراب ما بعد الصدمة  مثل مشاكل النوم و الكوابيس.

يمكن للأطباء و المرضى العمل معًا للعثور على أفضل دواء أو تركيبة دوائية، بالإضافة إلى الجرعة المناسبة، و يمكنك قراءة المزيد بشيء من التفاصيل الطبية عن طريق منصة “إدارة الغذاء و الدواء الأمريكية” للحصول على أحدث المعلومات حول أدلة أدوية المرضى، أو التحذيرات، أو الأدوية المعتمدة حديثًا.

ثانيًا: العلاج النفسي

يتضمن العلاج النفسي (الذي يطلق عليه أحيانًا “العلاج بالتحدث أو الكلام”) التحدث مع دكتور الصحة النفسية لعلاج مرض نفسي،  حيث يمكن أن يتم العلاج النفسي لكل شخص على حدى أو في مجموعات، و عادةً ما يستمر علاج العلاج بالتحدث أو الكلام من 6 إلى 12 أسبوعًا، و لكنه قد يستمر لفترة أطول، حيث تظهر الأبحاث أن الدعم من العائلة و الأصدقاء يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من التعافي.

يمكن أن تساعد العديد من أنواع العلاج النفسي الأشخاص المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، فقد يستخدم الطبيب النفسي بعض الأنواع للحد من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة مباشرة، و تركز العلاجات الأخرى على المشاكل الاجتماعية أو الأسرية أو المتعلقة بالعمل، و أفضل الحلول ان يجمع الطبيب أو المعالج النفسي بين العلاجات المختلفة اعتمادًا على احتياجات كل شخص.

تميل العلاجات النفسية الفعّالة إلى التركيز على عدد قليل من الأمور الرئيسية، بما في ذلك التثقيف حول الأعراض و تعلمها، و المهارات التي تساعد في تحديد مسببات الأعراض، و المهارات اللازمة لإدارة الأعراض.

اذا كنت قد عانيت من صدمة في حياتك فيكفيك ذلك الشعور المكدر مرة واحدة و لا يجب أن تعاني من بعده في كل مرة تتذكر فيها هذا الحادث، و ان كنت تعلم احدهم يشعر بالفتور او القلق عند التعرض للحادث أو ظروفه فانصحه للتوجه مباشرة لطبيب نفسي متخصص، أو لدكتور نفسي أونلاين عبر الانترنت.

 

رسالة